محمد راغب الطباخ الحلبي

125

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

قال فغضب هشام وقال له : يا عاض بظر أمه أعلي تفخر وإياي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك وأعلاج قومك ، غطوه في الماء ، فغطوه في البركة حتى كادت نفسه تخرج ، ثم أمر بإخراجه وهو بشر ونفاه من وقته ، فأخرج عن الرصافة منفيا ، قال وكان مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم فكان لا يزال مضروبا محروما مطرودا . اه . قال في معجم البلدان في الكلام على الرصافة : الرصافة في مواضع كثيرة ، منها رصافة هشام بن عبد الملك في غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية ، بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام وكان يسكنها في الصيف كذا ذكره بعضهم . ووجدت في أخبار ملوك غسان ثم ملك النعمان الحارث بن الأيهم وهو الذي أصلح صهاريج الرصافة وصنع صهريجها الأعظم ، وهذا يؤذن بأنها كانت قبل الإسلام بدهر ليس بالقصير . ولعل هشاما عمر سورها أو بنى بها أبنية يسكنها . وقال أحمد بن يحيى : وأما رصافة الشام فإن هشام بن عبد الملك أحدثها وكان ينزل فيها الزيتونة . قال الأصمعي : الزوراء رصافة هشام وفيها دير عجيب وعليها سور وليس عندها نهر ولا عين جارية إنما شربهم من صهاريج عندهم داخل السور ، وربما فرغت في أثناء الصيف فلأهل الثروة منهم عبيد وحمير يمضي أحدهم إلى الفرات العصر فيجيء بالماء في غداة غد لأنه يمضي أربعة فراسخ أو ثلاثة ويرجع مثلها ، وعندهم آبار طول رشاء كل بئر مائة وعشرون ذراعا وأكثر وهو مع ذلك ملح رديء ، وهي في وسط البرية ، ولبني خفاجة عليهم خفارة يؤدونها إليهم صاغرين . وبالجملة لولا حب الوطن لخربت . وفيها جماعة من أهل الثروة لأنهم بين تاجر يسافر إلى أقطار البلاد ومنهم مقيم فيها يعامل العرب ، وفيها سويق عدة عشرة دكاكين ، ولهم حذق في عمل الأكسية ، وكل رجل فيها غنيهم وفقيرهم يغزل الصوف ونساؤهم ينسجن . وذكرها ابن بطلان الطبيب في رسالته إلى هلال بن المحسن فقال : وبين الرصافة والرحبة مسيرة أربعة أيام ، قال : وهذا القصر يعني قصر الرصافة حصن دون دار الخلافة ببغداد مبني بالحجارة ، وفيه بيعة عظيمة ظاهرها بالفص المذهب ، أنشأه قسطنطين بن هيلانة ، وجدد الرصافة وسكنها هشام بن عبد الملك وكان يفزع إليها من البق في شاطىء الفرات ، وتحت البيعة صهريج في الأرض على مثل بناء الكنيسة معقود على أساطين الرخام